أحمد بن محمد ابن عربشاه

352

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

تخجل قدود الملاح بأغصانها ، وأزهارها زهرة ، وأنوارها نضرة ، ونسيم الصبا والشمال تنشر إلى الآفاق طيب أنفاسها العطرة ، وأنه يصلح أن يكون لملك الأفيال مقاما مع أن فيه من الجبال والحصون معاصم وعصاما ، غير أن فيه أسدا هصورا « 1 » جمع فيه جندا كثيرا . ولا زال الناقل يصف ويطنب ، ويعجم في حسن شمائلها ويعرب ، حتى قال بعض الندماء الحاضرين من الكبراء : لو قصد الملك ذلك المكان وجعله لنفسه من بعض الإسكان ، وتنقل إليه في بعض الأوقات وساعات التفرج في المنتزهات ، لأراح نفسه الخطيرة من وغم هذه الجزيرة ، ووجد لذة الطعام ونشوة الشراب على المدام ، والأسد الذي فيها ، وإن كان مالك نواحيها وبيد تصرفه زمام نواصيها ، وجماجم قلاعها وصياصيها « 2 » ، لكنه ملك عادل وسلطان فاضل ، تمنعه شهامته وكرم نفسه وكرامته ، ورئاسته وزعامته أن يضايق الملك في ذلك ، أو يضيق سلوكها على سالك ، وإن شرع في الممانعة وأخذ في أسباب المدافعة بالمقارعة والمنازعة ، فالعساكر المنصورة وأعدادهم الموفورة ، فيهم بحمد الله لذلك قوة وكفاية ولهم في بداية الحروب هداية ، وفقاهة ليس لشرحها غاية ولا لفروع أصولها نهاية ، يحيون في مباحثها النفوس ، ويعيدون في مدارس الحرب بتكرار الضرب فانى الشجاعة بعد الدروس ، فيكفون الملك أمره ويكفون أذاه وشره . ولا زال يفتل منه في الغارب والذروة ، ويقوى بتمويهاته دواعي الحرص والشهوة ، حتى اقتنصته أشراك المطامع ، وأوقعته في عبودية شهوة تلك المواضع ، ودعته النفس الأبية وحمية الجاهلية وباعث العصبية إلى الاستيلاء على تلك الأماكن البهية والولايات السنية ، والمساكن الزهية ،

--> ( 1 ) الهصور من أسماء الأسد ؛ لأنه يصهر فريسته . ( 2 ) أي لا يوجد مثله في صلابته .